عبد الملك الثعالبي النيسابوري

68

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

الحاجات ، والشفاعات مفاتيح الطلبات * من أقعدته نكاية الأيام ، أقامته إغاثة الكرام * من ألبسه الليل ثوب ظلمائه ، نزعه عنه النهار بضيائه * قوة الجناح بالقوادم والخوافي « 1 » ، وعمل الرماح بالأسنة والعوالي * اقتناء المناقب ، باحتمال المتاعب ، وإحراز الذكر الجميل ، بالسعي في الخطب الجليل * الدنيا دار تغرير وخداع ، وملتقى ساعة لوداع ، وأهلها متصرفون بين ورد وصدر « 2 » ، وصائرون خبرا بعد أثر * غاية كلّ متحرك سكون . ونهاية كل متكوّن أن لا يكون ، وآخر الأحياء فناء ، والجزع على الأموات عناء ، وإذا كان ذلك كذلك ، فلم التهالك على هالك * حشو هذا الدهر أحزان وهموم ، وصفوه من غير كدر معدوم * إذا سمح الدهر بالحباء « 3 » ، فأبشر بوشك الانقضاء ، وإذا أعار ، فاحسبه قد أغار * للدهر طعمان حلو ومر ، وللأيام صرفان عسر ويسر ، والخلق معروض على طوريه ، مقسوم الأحوال بين دوريه * لكل شيء غاية ومنتهى ، وانقطاع وإن بعد المدى * ترك الجواب ، داعية الارتياب ، والحاجة في الاقتضاء ، كسوف في وجه الرجاء * هم المنتظر للجواب ثقيل ، والمدى فيه وإن كان قصيرا طويل * النجيب إذا جرى لم يشق غباره ، والشهاب إذا سرى لم تلحق آثاره ، من أين للضباب ، صوت السحاب ، وللغراب هوى العقاب * هيهات أن تكتسب الأرض لطافة الهواء ، ويصير البدر كالشمس في الضياء * كل غم إلى انحسار ، وكل عال إلى انحدار . فصل - يستحسن الشيخ أن يخرس عنه ألسنة الحمد ، وتلتوي عليه حواجب المجد ، فقد احتجب صبح ذلك الأمر . وصار مطلوبا في ليلة القدر فإن كان أنزله من قلبه ناحية النسيان . وباع جليل الربح به في سوق الخسران فيستحي له فضله من فعله ، وكفى به نائبا عني في عذله ، وإن كان لعذر دعاه إلى التواني ،

--> ( 1 ) القوادم : ريش مقدمة الجناح ، والخوافي : الريش الذي يليه . ( 2 ) ورد وصدر : أي نهول وارتواء وذهاب وإياب . ( 3 ) الحباء : بالعطية .